محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

292

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

[ 8 . ] كان مصدر « 1 » زلّة إبليس الكبر والإعجاب ، وكان مصدر زلّة آدم الحرص والاستعجال . [ 9 . ] كان مصدر زلّة إبليس في تكذيب الصادق وهو عليه ، وكان زلّة آدم في تصديق الكاذب وهو على الكاذب . كان للملائكة زلّة وهو النظر إلى قبح أفعال الغير وحسن أفعالهم . [ 10 . ] وكان لإبليس زلّة وهو النظر إلى شرف مادّته واستحقار مادّة الغير ، وكان لآدم زلّة وهو النظر إلى نفسه بعين الاحتياج ، والاستماع إلى غيره بحسن الظنّ فيه ، والاعتماد على قسمه بشدّة التوكّل عليه والاستناد إليه . فانظر أيّ الزلّات أخفّ ، وأيّها أثقل ؛ فبرّأه اللّه - عزّ وجلّ - من العجب بأفعاله ، والعجب بذاته ، بأن أجرى مثل هذه الزلّة على يديه ، وكانت الزلّة رحمة عليه ، وعلى ذرّيّته ؛ وإنّ أحوال الأنبياء - عليهم السلام - على التزايد ؛ فلا يستوي يوماهم ، فضلا عن أن يكون غدهم شرّا من أمسهم ؛ وحالته حين بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة ، ألطف وأرفع من درجته حين بدا له سوءات الملائكة بالعجز عن معرفة الأسماء ، وطفقوا يخصفون عليهم من ورق التسليم للعزيز الحكيم ؛ ومعراجه في الهبوط إلى الأرض أشرف وأكمل من معراجه في الصعود إلى السماء ؛ ومستقرّه ومتاعه في الأرض إلى حين يوم الدين أجدى عليه من مستقرّه في الجنة ، وبلغته من رغد العيش إلى حين الإخراج والتهوين . وقد ظنّ اللعين الأوّل أنّه صارعه فصرعه ولم يدر أنّ المغلوب ( 127 آ ) من غلب بالشرّ ، وأنّ المقبول عند اللّه من خذله الناس وردّه الخلق : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا فهو المنصور حين أخرجوه ، وأنزل عليه السكينة في الغار حين فزّعوه ، وأيّده بجنود لم تروها حين خذلوه وأسلموه ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى حين علت كلمتهم عليه ؛ وهكذا سنّة اللّه تعالى مع أصفيائه من أوّل الزمان إلى آخره ، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا وتحويلا . لم يرض اللعين بحكم اللّه في نصب خليفة واحد في الأرض ؛ فأرغمه اللّه بأن جعل ذرّيّته الطاهرين خلائف الأرض ورفع بعضهم فوق بعض درجات .

--> ( 1 ) . بقية الفقرة ( 8 ) ساقطة من المتن ومذكورة في الهامش .